زكريا القزويني

315

آثار البلاد واخبار العباد

يظهر من تلك الجهة ، فلا يطول الوقت حتى يأتي الخبر ان خارجيّا ظهر من تلك الجهة . وقد سقط رأس هذه القبّة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة في يوم مطير ريّح ، وكانت تلك القبّة علم بغداد وتاج البلد ، ومأثرة بني العبّاس . وكان بجانبها الشرقي محلّة تسمّى باب الطاق ، كان بها سوق الطير فاعتقدوا ان من تعسّر عليه شيء من الأمور فاشترى طيرا من باب الطاق وأرسله ، سهل عليه ذلك الأمر . وكان عبد اللّه بن طاهر طال مقامه ببغداد ، ولم يحصل له اذن الخليفة ، فاجتاز يوما بباب الطاق فرأى قمرية تنوح ، فأمر بشرائها واطلاقها ، فامتنع صاحبها أن يبيعها إلّا بخمسمائة درهم ، فاشتراها وأطلقها وأنشأ يقول : ناحت مطوّقة بباب الطّاق * فجرت سوابق دمعي المهراق كانت تغرّد بالأراك وربّما * كانت تغرّد في فروع السّاق فرمى الفراق بها العراق فأصبحت * بعد الأراك تنوح في الأشواق فجعت بإفراج فأسبل دمعها * إنّ الدّموع تبوح بالمشتاق تعس الفراق وتبّ حبل وتينه * وسقاه من سمّ الأساود ساقي ماذا أراد بقصده قمريّة * لم تدر ما بغداد في الآفاق بي مثل ما بك يا حمامة فاسألي * من فكّ أسرك أن يحلّ وثاقي ! هذه صفة المدينة الغربيّة ، والآن لم يبق منها أثر . وبغداد عبارة عن المدينة الشرقيّة . كان أصلها قصر جعفر بن يحيى البرمكي ، والآن هي مدينة عظيمة كثيرة الأهل والخيرات والثمرات . تجبى إليها لطائف الدنيا وظرائف العالم إذ ما من متاع ثمين ولا عرض نفيس إلّا ويحمل إليها ، فهي مجمع لطيبات الدنيا ومحاسنها ، ومعدن لأرباب الغايات وآحاد الدهر في كلّ علم وصنعة . وبها حريم الخلافة ، وعليه سور ابتداؤه من دجلة وانتهاؤه إلى دجلة كشبه الهلال ، وله أبواب : باب سوق التمر باب شاهق البناء عال ، أغلق من أوّل أيّام